الكتاب
مختارات فرناندو بيسوا
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Fernando Pessoa: Selected Poems
المترجم/المحقق
المهدي أخريف
دار النشر
المجلس الأعلى للثقافة / المشروع القومي للترحمة
الطبعة
(1) 1998
عدد الصفحات
380
النوع
إلكتروني
تاريخ القراءة
08/30/2022
التصنيف
الموضوع
خواطر في الحياة واقعية .. أقرب إلى التشاؤم
درجة التقييم

مختارات فرناندو بيسوا

يكتب شاعر البرتغال الأول خواطره في الحياة، من خلال نظرة واقعية يخيّم عليها شبح تشاؤمي جاثم، مع نتف من أمل ووميض من نور .. وهو من الروح المتعددة الأبعاد والأفق الخلّاق وعمق الفكر والفلسفة، ما يجعله يخلق شخصيات مستقلة تكتب بتفرّد عن الموت والحياة وما بينهما .. في رؤية تتغاير كلية عند كل شخصية عن الأخرى، بل وتتغاير عنه في أسلوبه الأدبي الخالص!.

إذاً، إنه ديوان شعري من أرض البرتغال أو (أرض الشعراء) كما تُعرف، والتي يصطبغ شعرها بطابع نوستالجي مميز أكثر ما يظهر في موسيقى (الفادو)، التي تعني بالبرتغالية (القدر)، والتي يقال أنها تعود إلى أصل عربي أندلسي، يصدح بها في حنين ظاهر مطربين في هيئة بوهيمية .. وهذا الديوان يضم مختارات شعرية يكتبه أنطونيو فرناندو بيسوا (1888 : 1935)، أعظم شعراء البرتغال الذي يُصنف ضمن أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وهو كذلك فيلسوف وكاتب ومترجم وناقد أدبي. وبالإضافة إلى إصداراته المنشورة، وحسب إحصائية دقيقة عن إحدى دور النشر البرتغالية، فقد ترك بيسوا عند وفاته سبع وعشرون ألف وخمسمائة وثلاث وأربعون مخطوطة غير منشورة، ضمّنها أشعاره وفلسفته وآرائه ومسرحياته وترجماته، لذا، لا غرابة أن يعتبر بيسوا قصيدته المعنونة بـ (دكان التبغ) غير ذات شأن! هذا فضلاً عمّا تنقله شبكة المعلومات عن الخرائط التي تصف تلك الشخصيات الأدبية التي خلقها بتوجهاتها الفكرية المختلفة، ووضع عنها إصداراتها المستقلة، والتي وصلت إلى نحو ثمانين شخصية متفرّدة، وهي محفوظة اليوم في (أرشيف بيسوا) في مكتبة لشبونة الوطنية، وله نصب تذكاري وهو جالس خارج مقهى كان يتردد عليه، في عاصمة بلاده.

ومن دون أدنى شك، يمتلك بيسوا الاسم الأكثر حضوراً على خارطة الشعر البرتغالي، وهو الشاعر الكبير الذي صاغ قارة شعرية ورسم موقعه الشخصي فوقها بتميّز، جعلت الشعراء الذين جاءوا من بعده يسيرون وفق دروبها، فضلاً عن حضوره من خلال (البدلاء) أو بمعنى أدق، الأسماء المستعارة العديدة والمتعددة التي اخترعها وكتب من خلالها، في ظل أجواء شعرية استمر تأثيرها طويلاً، حتى ظهر جيل جديد من الشعراء الذين عملوا على تجاوز حدود خارطته، الأمر الذي ساهم في استحداث تيارات كتابية وشعرية مختلفة، تتجاوز القديم دون أن تلغيه .. وكل ذلك ضمن مناخ برتغالي عاشقاً للشعر.

وفي مقدمة الديوان الذي نال نجمتين من رصيد أنجمي الخماسي، يقرر المترجم الجذور التي رسّخها بيسوا في أرض البرتغال الشعرية، وكأنها كانت ضحلة التربة فأراد حرثها وبسخاء! من هنا تعددت اسمائه وشخوصه التي تحدثت جميعها عن رؤاه البانورامية، حيث يؤكد المترجم ابتداءً على أن هذه المختارات توفّر “تمثيل واسع ومتكامل لشعراء بيسوا الأربعة: بيسوا أولاً، فمعلّمه ألبرتو كاييرو، فريكاردو رييس، ثم ألبارو دي كامبوس (البيسيوي الأكثر بيسوية من بيسوا)”. على هذا، يأمل المترجم أن يجد قارئ الديوان ما وجده هو من متعة .. “متعة الشعر والفكر والإحساس”، وأن تكون على قدر كافٍ لتمثّل ذوق وخصوصية وفردانية أولئك الأنداد، “وفي نفس الآن للإمساك بذلك الخيط الرؤيوي والروحي الذي يجمعهم ويوّحد مقصدهم الشعري”، ذلك بأنهم يمتهنون “الهروب الدائم إلى الداخل، وإدمان اللعب في زوايا الخيال الكئيبة فراراً من ورطة الوجود بالقسر”، رغم ما يبدون عليه في الظاهر من فروقات جلية!

وبالإضافة إلى هذا الاقتباس، أقتبس من جديد في نص سريالي (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) أبيات من قصيدة (دكان التبغ) أو (Tabacaria – By: Fernando Pessoa) والتي جاءت في هذا الديوان حرفياً كما في البرتغالية (طبكيرية)، وقد نظمها الشاعر مطوّلة في يناير من عام 1928 .. أما الديوان فقد عني بترجمته الشاعر والمترجم المغربي (المهدي أخريف)، والذي يعدّ أول من عرّف القارئ العربي بشاعر البرتغال الأول، إضافة إلى جهوده الأخرى في الترجمة من الأدب الإسباني.

ففي (دكان التبغ)، كم يبدو الشاعر سوداوياً وهو غارق في هواجسه يعتقد أنه لا شيء، رغم أنه يرفض لا شيئيته تلك وهو يحمل في نفسه كل أحلام العالم! إن نافذة غرفته ليست إلا واحدة ضمن ملايين، وهو يقبع خلفها .. لا يعرفه أحد، يعاين حركة الناس ذهاباً وإياباً على طول الشارع، وقد خُيّل له أنه مجرد خيال كما المشهد الماثل أمامه رغم حيويته، هكذا على أدنى درجات الشك والارتياب واللاواقعية، والتي تضاعف من شعوره بالألم والبؤس والعدم! لقد أصبح مهزوماً اليوم كما لو أنه عرف الحقيقة، وواضحاً كما لو أنه على وشك الموت، فيبدو وهو يرثي شعوره بالعدم بينما يغبط دكان التبغ الذي بدى أكثر واقعية من حاله .. في لغة فلسفية وجودية تشاؤمية! فيقول:

القصيدة مكتوبة

لا أساوى شيئًا

ولن أكون أبداً لا شيء

لا أستطيع أن أرغب في أن أكون لا شيء

عدا هذا، أملك كل أحلام العالم في دخيلتي

 نوافذ غرفتي

غرفة واحد من هؤلاء الملايين في العالم

لا أحد يعرف منه

وحتى لو عُرف، ماذا سيُعرف عنه؟

نوافذ مطلة على غوامض شارع يجتازه

الناس باستمرار

تطل على شارع يصعب على الفكر ارتياده

واقعي

واقعي حتى الاستحالة

واضح بطريقة لا تخطر على البال

بغوامض الأشياء تحت الأحجار والكائنات

بغوامض الموت الذي يُخزّز

الحيطان ويزرع البياض في شعور الرجال

بالمصير الذي يقود الكل في عربة اللاشيء

اليوم أنا مهزوم كما لو كنت أعرف الحقيقة

صاحٍ كما لو كنت على وشك الموت

لا أخوة مع الأشياء لدى أكثر من أخوة وداع

فيما هذا المنزل وذلك الجانب من الشارع

يغدوان صفاً من عربات قطار

صفارة ممتدة داخل جمجمتي

رجة في أعصابي وطقطقة

في عظامي لحظة الإقلاع

أنا اليوم مبلبل الخطر كمن فكّر فوجد ثم نسى كل شيء

أنا اليوم موزع بين انحيازي

للطبكيرية المقابلة لي، كشيء واقعي من الخارج

وبين الإحساس بأن كل شيء هو مجرد حلم

بوصفه شيئاً واقعياً من الداخل

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

وعلى مكتبتي للشاعر أيضاً: (الباب وقصص أخرى / كتاب اللاطمأنينة). أما من الشعر البرتغالي، فأمتلك ديوانين آخرين، هما: (الحياة في خريطة) للشاعر (نونو جوديس)، و (أجمع الذكريات كي أموت)، ويضم قصائد لاثنان وثلاثون شاعراً برتغالياً معاصراً.

تسلسل الديوان على المدونة: 350

تاريخ النشر: أغسطس 30, 2022

عدد القراءات:1162 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *