الكتاب
ثورة في السنة النبوية
المؤلف
دار النشر
دار الساقي
الطبعة
(6) 2013
عدد الصفحات
62
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
12/07/2019
التصنيف
الموضوع
سبعة كنوز من ميراث النبوة
درجة التقييم

ثورة في السنة النبوية

كتاب يضرب المثل فيما (قل ودل)، إذ لا يعرض سوى سبعة كنوز من ميراث السنة النبوية الصحيحة، ويمثّل كل كنز في حد ذاته منهجاً أخلاقياً متكاملاً، والذي لو تم تطبيقه كما جاء لساد أتباع (خير أمة أخرجت للناس) الأمم!

يضع الكتاب الدبلوماسي السعودي الراحل د. غازي بن عبدالرحمن القصيبي (2010:1940)، الذي تقلّد مناصب وزارية بعد حصوله على درجة الدكتوراة في العلاقات الدولية من جامعة لندن، والذي ذاع صيته كذلك كشاعر وكاتب وأديب، وأصدر الكثير من الأعمال الأدبية والروائية والشعرية.

يعمد د. القصيبي في كتابه القصير إلى عرض كل منهج خُلُقي بما يقابله من أحاديث نبوية شريفة مجمع على صحتها. فيأتي في المنهج الأول على (نزاهة الحياة السياسية) مستعيناً بالحديث الذي جاء في نصّه: “.. لقى الله يحمل بعيراً”، والذي يحثّ فيه على الأمانة التي سيُسئل عنها كل من تولى منصباً يدير فيه أمراً من أمور المسلمين، وحقق من خلاله مآرب خاصة ما كان له أن يحققها لو (قعد في بيت أبيه وأمه)، حسب نص الحديث، وهو يعني بهذا ظاهرة الفساد لا سيما فيما يمس المال العام، والتي تعدت هذا الحد في نظر د. القصيبي الذي قال: “والويل كل الويل لمن جاء يوم القيامة يحمل وطناً كاملاً سرقه بدبابة، ذات ليلة ليلاء”.

أما المنهج الثاني فيتعلق بـ (دور المرأة في المجتمع والعسكرية) والذي يقابله ما جاء في حديث أم حرام معه ﷺ: “.. ادع الله أن يجعلني منهم”، والذي يبيح فيه جهاد المرأة مع الرجال في الحروب إلى حد غزو البحر، إضافة إلى دورها الفاعل في المجتمع ككل خلافاً لما يحصره بعض الفقهاء في إطار الزوجية.

وفي المنهج الثالث (قواعد الإثبات ضمانة الحقوق)، يستشهد د. القصيبي بما يقابله من حديث نبوي جاء في نصّه: “.. أمهله حتى آتي بأربعة شهداء”، ليصوّر إصراره ﷺ على “البراءة حتى يثبت عكسها” فيما يتعلق بمسائل الشرف، سابقاً في هذا القانون الروماني وعصر النهضة والماركسية والليبرالية، في سن “قواعد الأدلة والإثبات”، لا سيما في مجتمع جاهلي كان يعتبر قتل المرأة التي تحوم حولها الشبهات مقبولاً “لحماية الشرف الرفيع من الأذى”.

أما في المنهج الرابع والخاص بـ (حرمة الحياة الشخصية) والذي يقابله نص الحديث الذي جاء فيه: “.. لطعنت به عينيك”، فيؤكد من خلاله على أن خصوصية أي إنسان، مما يراق على جوانبها الدم إذا انتهكت، متضمناً في هذا التنصت على المكالمات الهاتفية وتتبع المراسلات البريدية، بل واقتحام البيوت بأمر السلطة من غير استئناس ولا استئذان، أو كما في المثل الإنجليزي الشهير “بيت الإنجليزي هو قلعته” الذي استعان به د. القصيبي معلقاً “وكان المسلمون أولى بمثل كهذا”.

وعن المنهج الخامس (جمعيات الرفق بالحيوان الإسلامية) الذي يقتبس من نص الحديث: “.. أمة من الأمم تسبّح” فيتناول فيه حقوق الحيوان ككائن ينتمي لأمة كأمثال الأمم الأخرى، حيث لا يجوز أن يتلاعب به الصبية ولا أن يُنهك بحمل الأثقال أو يُقتل بغرض المباراة، فيتساءل د. القصيبي قائلاً: “أليس من المحزن والمذهل أن تخبرنا السنة النبوية المطهرة أن نبياً من الأنبياء عوتب بسبب النمل، وإن امرأة دخلت النار بسبب هرة حبستها، وأن بغياً غفر الله لها بسبب كلب سقته، ومع ذلك يبقى المسلمون يتعاملون مع مخلوقات الله الحيوانية كأنها أعداء، في حرب إبادة شاملة غير متكافئة؟”.

أما في المنهج السادس المعني بـ (تنظيم النسل) والذي يستشهد بالحديث الذي جاء في نصه: “.. نعزل والقرآن يُنزّل”، فيصوّر النسل في عالم اليوم كغثاء السيل، والذي يحرص فيه الوالدين على إنجاب الحد الأقصى من الأبناء لأسباب أنانية ترضي الغرور وغريزة التباهي بالفحولة أو لتوفير عمالة مجانية، في حين يُعدمون أسس الحياة الكريمة من صحة وتعليم ومأكل وملبس ورعاية نفسية، ما يدفع د. القصيبي لحض من يقول خلاف ذلك العودة إلى “الأحاديث النبوية الشريفة في موضوع العزل” وهو يؤكد قائلاً: “إن شريعة الله الخالدة التي تحرص على بقاء الإنسان على الأرض، تقدّر أن هناك حالات تتطلب فيها الضرورة، وأعني الضرورة الحقيقية الملحة لا الموهومة، تنظيما مؤقتاً للنسل، وأشدد على الصفة المؤقتة لهذا التنظيم”.

ويختم د. القصيبي بالمنهج السابع الخاص بـ (تحريم العذاب بأشكاله وأنواعه)، مستعيناً بالحديث الذي جاء في نصه “.. إن الله يعذّب الذين يعذبون الناس في الدنيا”، فيعرض ما شهده التاريخ الإسلامي عبر العصور من صنوف تعذيب كما جاءت بها إحدى موسوعات التراث العربي-الإسلامي، كالتعذيب بالجوع والعطش والفصد، وقصف الظهر وبقر البطن وتقطيع الأوصال والنشر بالمنشار، وما يحاكيها من جرائم تجري في عصرنا الحاضر “يمارسه الشرطي كما يمارس بقية روتينه اليومي”. ثم يقول متأملاً: “لو كان لي من الأمر شيء لوضعت في كل كلية أمنية في بلاد المسلمين مادة اسمها (إن الله يعذبُ الذين يعذبون الناس في الدنيا)”.

يحرز الكتاب القصير الثمين أربع نجمات من رصيد أنجمي الخماسي، والذي أعرض منه اجتهاد د. القصيبي في الحديث الثاني الذي جاء تحت عنوان (دور المرأة في المجتمع والعسكرية)، وباقتباس لتعليقه في نص نسوي مكين (مع كامل الاحترام لحقوق النشر إضافة إلى ما سبق من اقتباسات:

في صحيح مسلم عن أنس بن مالك: “أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ كانَ يَدْخُلُ علَى أُمِّ حَرَامٍ بنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَوْمًا، فأطْعَمَتْهُ، ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهو يَضْحَكُ، قالَتْ: فَقُلتُ: ما يُضْحِكُكَ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: نَاسٌ مِن أُمَّتي عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً في سَبيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هذا البَحْرِ، مُلُوكًا علَى الأسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ المُلُوكِ علَى الأسِرَّةِ، يَشُكُّ أَيَّهُمَا، قالَ: قالَتْ: فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي منهمْ، فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهو يَضْحَكُ، قالَتْ: فَقُلتُ: ما يُضْحِكُكَ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: نَاسٌ مِن أُمَّتي عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً في سَبيلِ اللهِ، كما قالَ في الأُولَى، قالَتْ: فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي منهمْ، قالَ: أَنْتِ مِنَ الأوَّلِينَ. فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ بنْتُ مِلْحَانَ البَحْرَ في زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَتْ عن دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ، فَهَلَكَتْ”.

يبدأ د. القصيبي تعليقه بالتأكيد على أن الخلاف القائم في مواصفات زي المرأة الشرعي بين فقهاء وعامة، ليس هو خلافاً جوهرياً، إذ أن للرأي القائل بوجوب ستر كامل الجسد باستثناء الكف والوجهين وللرأي القائل بالستر الكامل، ما يدعمه من حجج دينية، مع ترجيح كفة الرأي الأول. بيد أن الخلاف الأساسي، المسكوت عن طبيعته هو بين الذين يعتقدون أن النساء شقائق الرجال، لهن حقوق وعليهن واجبات، شأنهن شأن الرجال، وأن القوامة تكليف للرجل وليست حطاً من قدر المرأة، من جانب، وبين الذين يرون أن النساء مخلوقات دون الرجال، ليس لهن من دور سوى الإنجاب، لا يجب أن يتحركن من دار الأب أو الزوج إلا إلى القبر «ودفن البنات من المكرمات». وفي تراثنا بيت شائع، كثيراً ما يستشهد به المستشهدون، يذهب إلى أنه ليس للمرأة من حق سوى أن تجعل الرجل «ينام على جنابة». هنا، يحلل د. القصيبي موقف الفريقين الذي يحكّم الأول منه العقل والقلب معاً في شئون الحياة متضمنة شأن المرأة، والثاني الذي يحكّم الفرج في هذا حيث مركز التفكير لديه! فيقول: “الذين يرون الرأي الأول يذهبون إلى أنه من حق المرأة أن تتعلم إلى أقصى درجات التعلم، وأن تمارس وجوه الإبداع الفكري والعلمي كافة، وأن تكون عضواً فعالاً في حياة المجتمع الثقافية والسياسية. أما الذين يرون الرأي الثاني – جماعة الجنابة – فينزعون إلى أن يحرموا عقل المرأة من كل علم، وفكرها من كل ثقافة، وأن يشلوا كل ما منحها الله، سبحانه وتعالى، من طاقات وإمكانيات ومواهب، لتبقى تمارس دوراً يتيماً يبدأ بالجنس وينتهي بالجنس”. ثم يستمر في تحليله الذي يأخذ منحى نفسي، ويقول: والجدال بين الفريقين، بخلاف ما يتصور الكثيرون، ليس جدالاً فقهياً بقدر ما هو نزاع نفسي/ سياسي/ اجتماعي / حضاري، بين رجال يرون في الاعتراف بحقوق المرأة إثراء لرجولتهم، ورجال يرون في هذا الاعتراف إلغاء لفحولتهم. ومثل هذا الخلاف لا ينتهي، ولا يمكن أن ينتهي، بمحاورات أو مناظرات”. ثم يختم تعليقه بقول فصل، إذ أن “النص الذي أوردته يبين بوضوح ما بعده وضوح، كيف نظر إمام الهدى، عليه الصلاة والسلام، إلى دور المرأة في المجتمع (والعسكرية!) فرأى أنه يشمل الغزو في البحر مع الرجال، وأنا به، عليه السّلام، من المقتدين، ولو رغمت أنوف” … وله -رحمه الله- أشهد: إنك رجل والرجال قليل.

بعيداً عن المقصد الواضح للكتاب، ينكأ د. القصيبي جراح أمة ابتُليت بقوم يبدون وكأنهم يقولون ما لا يفعلون .. وكأن الهدي النبوي لا يتعدى حدود الرسائل النصية المتداولة صباحاً ومساءاً على وسائل التواصل الاجتماعي، لا بأنه دستور حياة قولاً وعملاً …….. إلا من رحم ربي برحمته!.

وأختم بدعاء “اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق”

 

تم نشر مقالة عن الكتاب في جريدة الشرق

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (75) في قائمة ضمت (85) كتاب قرأتهم عام 2019 تتضمن أربعة كتب لم أتم قراءتها، على الرغم من أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (80) كتاب فقط! وهو ثاني كتاب اقرؤه في شهر ديسمبر من بين اثنا عشرة كتاب .. وقد حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية عام 2019 ضمن (80) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض.

ومن فعاليات الشهر: لا شيء سوى الحماس منقطع النظير الذي يصل أوجه عادة مع نهاية كل عام في استكمال خطة القراءة التي أعددت لها مسبقاً.

تسلسل الكتاب على المدونة: 183

تاريخ النشر: مايو 7, 2022

عدد القراءات:1249 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *